لم يتجاوز عمره تسعة أشهر، لكنه حمل في جسده الصغير آلامًا تفوق سنّه بكثير. فبعد أربع سنوات من الانتظار والحرمان، رُزق فؤاد أبو يوسف بطفله الوحيد “عُمر”، الذي ملأ حياة والديه فرحًا لا يُوصف، وكانت أيامهم عامرة بالضحك، وأصواته الصغيرة تعانق خيمة النزوح التي يسكنونها.
لكن ذلك الفرح لم يدم طويلًا. ففي أحد الأيام، وما إن عاد الطفل إلى الخيمة، حتى بدأ الألم يسيطر عليه. يقول أبو يوسف لـ "فلسطين أون لاين": “طوال الليل ظلّ يئن ويبكي، صوته يرتجف من ألم لم يستطع أحد تفسيره”. حاول والداه تهدئته بكل السبل الممكنة؛ حملوه، وهزّوه بين ذراعيهما، لكن دون جدوى. كانت كل لحظة تمرّ تمزّق قلبيهما، في عجزٍ كامل عن معرفة سبب معاناته.
وفي صبيحة اليوم التالي، حمله والده إلى إحدى عيادات وكالة الغوث، حيث أخبرته الطبيبة بقلق: “ابنك أزرق اللون، قد تكون هناك مشكلة في القلب”. تسارعت دقات قلب الأب، ولم يعرف كيف يواجه حقيقة قد تهدد حياة طفله الصغير.
على إثر ذلك، جرى تحويل عُمر إلى حضانة مستشفى ناصر الطبي في خان يونس. وبعد إجراء الفحوصات الأولية، تبيّن أنه يعاني من حموضة في الدم. غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ ففي اليوم التالي رجّح الأطباء إصابته بحمى شوكية، أو وجود ثقب في الأمعاء، ما استدعى تدخّلًا جراحيًا عاجلًا لإغلاقه.
ومع حلول المساء، وبعد أذان المغرب، تلقى والده اتصالًا يطالبه بالحضور فورًا إلى المستشفى للتوقيع على إجراء العملية الطارئة. وبعد ساعتين داخل غرفة العمليات، خرج الطبيب بخبر مفاجئ: لا يوجد ثقب في أمعاء الطفل، وما كان يخرج من أنفه هو مجرد سوائل من البطن تعود لفترة الحمل.
لكن الحقيقة المؤلمة كانت أن عُمر، ومنذ لحظات ولادته، عانى من اضطرابات خطيرة في الإخراج، إذ كان البراز يخرج من الأنف نتيجة انسداد خلقي، ما أدى إلى تدهور مستمر في حالته الصحية. ومع النقص الحاد في المعدات والإمكانات الطبية، عجز الأطباء عن تشخيص حالته بشكل كامل.
لاحقًا، اضطر الأطباء إلى إجراء فتحة مفاغرة في البطن، نتيجة انسداد معوي خلقي وعدم قدرته على التبرز عبر فتحة الشرج. وأظهرت الفحوصات وجود خلايا عصبية في منطقة المفاغرة، وغيابها تمامًا في فتحة الشرج.
ويوضح أبو يوسف أنه بعد شهر من العلاج، خرج الطفل من المستشفى، لكن معاناتهم لم تنتهِ. ففي الشهر الثاني بدأت تظهر مضاعفات خطيرة، شملت ارتفاعًا في وظائف الكلى، واضطرابًا في نسب الصوديوم والبوتاسيوم، إضافة إلى فقدان الجسم للسوائل بمعدل يفوق ما يدخل إليه.
ويضيف: “كل ساعة كانت تمثل تحديًا جديدًا؛ كنت أغيّر الشاش من 15 إلى 20 مرة في الساعة، وهو أمر مرهق للغاية، خاصة في ظل نقص الشاش وعدم توفره بالكميات المطلوبة. وفي فترات انقطاع الحفاضات الطبية، كنت أُحرم نفسي من الأكل والشرب لتوفير ثمنها، إذ أحتاج إلى نحو 100 دولار كل يومين”.
وبات الوالدان يعيشان في دائرة لا تنتهي من القلق والترقّب؛ ساعات طويلة من المراقبة، تجهيز الرضعات السائلة، والانتباه لكل حركة أو رشفة، وكأن حياة طفلهما معلّقة على أنفاسهما.
ويبيّن أبو يوسف أنه بعد أخذ عينات من فتحة البطن وفتحة الشرج، تبيّن أن الفتحة البطنية تحتوي على خلايا عصبية، بينما تفتقر فتحة الشرج إليها تمامًا، ما يعني أن الطفل بحاجة ماسة إلى عملية جراحية معقدة لعمل فتحة في الأمعاء الغليظة. ويقول: “العملية صعبة للغاية، وقد تستغرق نحو ثماني ساعات، وتتطلب السفر إلى مستشفى مجهّز للتعامل مع هذه الحالات”.
ولا يزال عُمر يعتمد كليًا على الرضعات السائلة، إذ لا يستطيع هضم أي طعام صلب بسبب الفتحة البطنية، وكل وجبة تتطلب صبرًا وجهدًا كبيرين من والديه.
وينتظر والده بفارغ الصبر فتح باب السفر للعلاج، لينتهي هذا العذاب الذي يرافق طفله منذ لحظة صرخته الأولى في الحياة. فهذه هي حكاية عُمر؛ رضيع لم يتجاوز تسعة أشهر، يقف اليوم على بوابة الانتظار، مطالبًا بحقه في العلاج، وبفتح المعبر، ليبدأ حياة بلا ألم.

